٢٠٠٨-١١-٠٩

ما بعد الحداثة


إن عرض فكر "ما بعد الحداثة" ومناقشته في حيز الثقافة العربية – المصرية بصفة خاصة - التي لم تمر بمرحلة الحداثة بعد يبدو موضوعا للترف الفكري حيث أننا نعيش في واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي هو من ما قبل الحداثة أصلا ... أما مسمي ما بعد الحداثة هو أسم جيد مطابق لحالات كثيرة من واقعنا اليومي المعقد
فمن مراقبة لعده مشاهدات متتالية سواء في مجال العمل أو العلاقات الاجتماعية يمكن تقسيم المجتمع فكريا إلي نوعين ومهما تعددت أنماط السلوك أو اختلف المستوي المعيشى نادرا ما أجد أحدا يخرج عن هذين النوعين حتي من يحاولون ويدعون أنهم ليسوا نمطيين
النوع الأول .. متحررين ظاهريا يحملون قيم وعادات مختبئة في اللا وعي.. هي عقد في صورة حقوق لهم تتم المطالبة بها حين الضغط علي مفاتيح الشرف والاقتراب من سيرة المحارم وطبعا يتم تطبيق ذلك أيضا علي التعاملات المالية وأسلوب الصرف والسلوك الاستهلاكي.
موقف .. في أحد المطاعم الامريكية الاسم يتكلم العمال باللغة الأنجليزية مع العملاء من لحظة دخول المطعم وحتي الخروج ( هي سياسة الإدارة ) .. المطعم في وسط المدينة وغالبية الزوار أشخاص عادين (طبقة متوسطة) لا تبدو عليهم مظاهر الترف الناتج عن وظائف مرموقة أو أسر ثرية إلا بعضا من شباب الجامعة الذين تبدو عليهم ملامح الذكاء والأناقة معا
يقول أحدنا لا أعتقد أن نفس المطعم في فرنسا أو ألمانيا أو اليابان يتكلم عماله بالانجليزية.. وأكمل وقد عاد حديثا من الخارج أن المطاعم الأمريكية في أوربا أقل أنواع الأطعمة في الأقبال والقيمة.
إذا هي عملية منظمة من عقلنا الواعي واللا واعي لطرد الهوية المصرية من سلوكياتنا وعقولنا كشعب لا يمارس ولا ينعم بأي رفاهيات
كأنه حوار سري بيننا وبين الذات .. أيتها البلد التي تمنع وجودي علي خارطة العقول في هذا العالم سوف أمحوك حتي من قاموسي اللغوي .. ومرحبا بالغزو الثقافي وهؤلاء الذين يقهرونك ويحنون رأسك... هم أسيادك وهم أسيادي أتكلم لغتهم وأكل طعامهم حتي لو كلفني فوق طاقتي ... فأنا بذلك أساير العصر الذي أبعدتني عنه بجلوسك في صفوف العالم ما بعد الثالث وتركتني موصوما بالجهل والفقر معا.
النوع الثانى .. ملتزمين ظاهريا (ويكون المقياس للالتزام عادة هو اللجوء للإطار الديني) أولئك يحملون رغبات عميقة في التحرر وهم عادة ما سوف يخرقون القواعد والقوالب التي وضعوا أنفسهم فيها في أول فرصة ممكنة.
كبيت شعر للمتنبي يقول فيه أن الظلم من شيم النفوس .. وإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
أري شخصيا أن التدين أو الالتزام المصحوب بتعصب نقيصة أكثر منه فضيلة – هو نوع من الهروب النفسي إلي قيم عليا بدلا من المواجهة وإعمال المنطق
وعلي نطاق أوسع اعتبر أن مظاهر التدين الشديد التي انتشرت مؤخرا في مجتمعات ما تحت خط الفقر في مصر هي قلة حيلة ودفاع عن النفس وأحيانا اختباء
هي صورة أخري للحوار مع الذات... بمعني .. في مرحلة كان العدو اسرائيل وكانت الحرب مادية أرض وسلاح وكر وفر ..
اليوم انتهت الحرب علي الأرض والعدو اختلف .. أمريكا التي تضغط علي العالم هي العدو الأكبر ... كيف نتميز عنهم؟
ببث فكرة التسامي الساذجة .. هم كفار... أما نحن فمؤمنين .. إذا فنحن الأفضل ولنريهم ذلك باللحية الطويلة ما شاء الله والملابس .. نحن متميزون ظاهريا إلي أن تنتهي تلك الفوضي ألا ترون؟
ولأننا غير قادرين علي التميز عمليا فلنتميز نفسيا ونترك الدنيا تسير كما هو مقدر لها بدلا من العمل علي تغيير واقعنا.
ولأننا أيضا غير قادرين علي استيعاب ما آل إليه العالم نري الأشياء المختلفة عنا مجرد فوضي .. دون البحث عن دور في ترتيب هذه الفوضي أو قبولها كفوضي منظمة وخلق مكان لنا بينها.
هي فجوة صنعتها وسائل الإعلام – التي بحكم التطور التقني تنقل إلينا مرحلة متقدمة جدا من تجارب الأخرين لم نمر بها ولكن فقط نري نتائجها - فرضت علينا بحكم التكرار ثم فرضناها نحن علي سلوكنا اليومي برضا تام نتيجة لنواقص فكرية واجتماعية مدعين بذلك مسايرة التطور .
غالبية الحريات الشخصية اليوم غير حقيقية هي إما وهم أو نمط سلوكي مفروض علي المجتمع... ومهما كان رد فعلنا سواء مع أو ضد فنحن لسنا فقط لا نملك مجاراة العالم بل وأيضا لا نحاول.

هناك ٤ تعليقات:

كباريه يقول...

ولأننا غير قادرين علي التميز عمليا فلنتميز نفسيا ونترك الدنيا تسير كما هو مقدر لها بدلا من العمل علي تغيير واقعنا.ولأننا أيضا غير قادرين علي استيعاب ما آل إليه العالم نري الأشياء المختلفة عنا مجرد فوضي .. دون البحث عن دور في ترتيب هذه الفوضي أو قبولها كفوضي منظمة وخلق مكان لنا بينها.
===================

خلاصة البوست كله في الفقره دي


بوست من العيار التقيل وعايز يتقري أكتر من مره



تحياتي

speaking يقول...

سيدتي
لأن الوضع فعلا صعب أتعلمت أنطق
وياليتني أجد دورا أكبر من النطق في التغيير الذي هو شئ حتمي

صباحك كله خير
:)

سمير مصباح يقول...

مهما تقارب الكون وتداخلت المجتمعات
سوف يظل لكا مجتمع من المجتمعات حصوصي ما نابعة من تجربتة السياسية والاجنتماعية والثقافية التى يمكن ان تقترب من تجارب غيرها من المجتمعات ولكن لا يمكن ان تتماهة معها الى حد الزوبان
هذا رايى الشخصى
ومن هنا فنا انا ارى ان نقل التجارب الثقافية لاخرين نقلا نمطيا قافزا فوق كل الاختلافات اجتماعية والحياتية والسمات الشخصية للشعوب ينتج عنه الكثير من التشوهات الثقافية الخطرة والمؤذية فى كثير من الاحيان
وانما ارى ان ما يجب ان ينقل حقا عن المجتمعات التى تجاوزتناثقافيا هو الفكرة والاساليب التى التى اوصلتهم الى ما هم فيه من تقدم وليس نقل النتائج التى توصلوا لها
فلا يمكن على سبيل المثال ان نتحدث او بالادق نمارس ما بعد الحداثة قبل ان نصل الى الحداثة اصلا
ففى الادب على سبيل المثال بما تعنيه ما بعد الحداثة وما تتطلبة من البعد عن المضاميت السياسية والاجتماعية ووو الى خلافه
فان ذلك ربما يكون جائزا فى مجتمعات حققت التخمة فى الديمقراطية والرفاهية الاجتماعية ويدفعها الملل الناتج عن هذه التخمة الى التجريب وربما التخريب فى النفس الانسانية
غير ان ذلك من وجهة نظرى المتواضعة ترف لا يجوز فى مجتمعات متخلفة ثقافيا و سياسيا وماديا على غرار مجتمعنا
حيث لازال للمجتمع الكثير من الحروب التى يجب ان يخوضها وحيث الفن والادب (سواءبمفهوم التعبير عن المجتمع او بفهوم قيادته)جزء لا يتجزء من ادوات هذا المجتمع واسلحتة الضرورية لخوض تلك المعارك



تحياتى لك على ذلك البوست

speaking يقول...

أ/ سمير
نعم لذلك نحن فيما نحن فيه من عشوائية معمارية و جرافيكية وتشكيليه
بل الأصعب تشويش الفكر والمبادئ

شكرا علي تعليقك المثرى